الثعلبي

183

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

لوط من الباب ، ودعني وإيّاهم ، فتنحى لوط عن الباب فخرج عليهم فنشر جناحه فضرب به ) وجوههم فطمس أعينهم فعموا وانصرفوا على أعقابهم فلم يعرفوا طريقاً ولم يهتدوا إلى بيوتهم . فانصرفوا وهم يقولون : النجا النجا فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض وقد سحرونا ، وجعلوا يقولون : يا لوط كما أنت حتى نصبح ، يتوعدونه ، فقال لهم لوط : متى موعد هلاكهم ؟ فقالوا : الصبح قال : أريد أسرع من ذلك أن تهلكونهم الآن ، فقالوا : أليس الصبح بقريب قالوا له : فأسر بأهلك ، قرأ أهل الحجاز بوصل الألف من سرى يسري ويدلّ عليه قوله تعالى : " * ( والليل إذا يسري ) * ) وقرأ الباقون بقطع الألف من أسرى يسري اعتباراً بقوله " * ( سبحان الذي أسرى بعبده ) * ) وهما بمعنى واحد . " * ( فأسر بأهلك بقطع من الليل ) * ) قال ابن عباس : بطائفة من الليل ، الضحّاك : ببقية ، قتادة : بعد مضي صدره ، الأخفش : بعد جنح ، وقيل : بعد هدوء ، وبعضها قريب من بعض . " * ( ولا يلتفت منكم أحد إلاّ امرأتك ) * ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو : أمراتك برفع التاء على الاستثناء من الالتفات أي ولا يلتفت منكم أحد إلاّ امرأتُك فإنها تلتفت وتهلك ، وإنّ لوطاً خرج بها ، ونهى من معه ممن أُسرى بهم أن يلتفت سوى زوجته ، فإنها لما سمعت هدّة العذاب التفتت وقالت : واقوماه فأدركها حجر فقتلها . وقرأ الباقون بنصب المرأة على الاستثناء من الأهل ، أي فأسر بأهلك بقطع من الليل إلاّ امرأتك ولا يلتفت منكم أحد ، فإنه مصيبها ما أصابهم من العذاب غير مخطيها ولا يُخطيهم . " * ( إن موعدهم الصبح ) * ) أي إن موعد هلاكهم هو الصبح ، فقال لوط : أُريد أسرع من ذلك ، فقالوا : " * ( أليس الصبح بقريب فلمّا جاء أمرنا ) * ) عذابنا " * ( جعلنا عاليها سافلها ) * ) وذلك أن جبريل ( عليه السلام ) أدخل جناحه تحت قرى قوم لوط المؤتفكات سدوم وعامورا ودادوما وصبوا ، فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب ، ثم جعل عاليها سافلها . روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل ( عليه السلام ) : ( إن الله تبارك وتعالى سمّاك بأسماء ففسّرها لي ، قال الله في وصفك " * ( ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) * ) فأخبرْني عن قوّتك ، قال : يا محمد رفعت قرى قوم لوط من تخوم الأرض على جناحي في الهواء حتى سمعت ملائكة سماء الدنيا أصواتهم وأصوات الديكة ثم قلبتها ظهراً لبطن ، قال : فأخبرني عن قوله " * ( مطاع ) * ) قال : إن رضوان خازن الجنان ، ومالكاً خازن النيران متى كلفتهما فتح أبواب الجنة والنار فتحاهما لي ، قال : فأخبرْني عن قوله " * ( أمين ) * ) قال : إن الله عزّ وجلّ أنزل من السماء مائة وأربعة كتب على أنبيائه لم يأتمن عليها غيري ) .